|
وطويت الذكريات |
لم
يكن من السهل أن يعود بذاكرته للماضي .. أن
يعود بتفكيره لأيام جميلة قضاها في صفوف
الدراسة .. حيث المرح واللحظات السعيدة مع
رفقاؤه .. وكانت هي الشخص الذي لا ينساه أبدا ..
ربما كان يتذكر تلك الأيام ليتذكرها فقط ..
كانت أيام الصبا مليئة بالمغامرات والحكايات
.. آه يا تلك الأيام .. كل هذه الذكريات تتراءى
أمامه الآن وهو يرتدي ملابسه الأنيقة ويصلح
من شأنه ليتوجه إلى حفل بسيط أقامه الأصدقاء
لتكون فرصة لرؤية بعضهم بعد تلك السنين
الطويلة التي مرت ببعد تخرجهم .. وضع لمساته
الأخيرة على هندامه
.. وخطا نحو الحفل بخطا الشوق لمقابلة
الأصدقاء .. الأحبة الذين لم يراهم منذ زمن ..
التقى
بهم .. وكان اللقاء عظيما مليئا بالأحضان
والأشواق .. اجتمع معظم الأصدقاء ودار بينهم
حديث عن الأيام الخوالي وعن رؤيتهم
المستقبلية .. وبينما كان المكان يعج بأصواتهم
.. بحبهم بضحكهم .. شعر وكأن شيئا يجذبه من
الخلف .. التفت وراءه .. ماذا رأى يا لروعة
الأيام .. أنها هي .. هي بعينها .. بجمالها
الفاتن .. بقامتها الممشوقة ، شعر عندها أنه
وحده الذي رآها .. تركزت عينيه في عينيها ..
تحول الصخب الذي حوله إلى حالة سكون وهدوء
غريب ..توقفت عندها عقارب الزمن .. تلاشت كل
الفروق .. بدت الأجواء حوله ركود مخيف .. لم
يشعر إلا بصوتها العذب يسأله كيف الحال .. خجل
من تبلّده في تلك اللحظة .. وعاد بروحه لجو
الحفلة الرائع .. بادلها السؤال بسؤال آخر ..
صمت وصمتت .. تلتها ضحكة بريئة من شفتيها
العذبتين .. تبادلا أخبارهما في تلك السنين
التي أعقبت تخرجهما .. وكيف مضت بها الأيام
بزواجها وإنجابها لطفلين جميلين .. وهو كما هو
.. لم يتغير .. اجتمع حولها الأصحاب والأحباب ..
وأصبح اللقاء أجمل .. تعالت الضحكات وطرح
الذكريات الدراسية .. ومع تجمع الكثيرين حولها
.. إلا إنه لم يكن يرى سواها في جو الحفلة .. لم
يكن يرى سوى نفسه وهي فقط .. يتذكر حبه القديم
وفتاته الصغيرة ..لم يكن يعي شيئا حينها ..
وفجأة شعر بيد ناعمة تمسك يده .. فإذا بتلك
اليد يدها ..إنها تحثّه وتسأله عن المزيد من
أخباره .. إنها لا تعلم إنها فجرت بركان حب
قديم كان خامدا سنينا طويلة .. لا تعلم إنها
أحييت في قلبه أملا لا يمكن أن يموت للمرة
الثانية .. لا تعلم
أنه ارتوى من عطش السنين برؤية وجهها
البشوش .. واستكان قلبه الطائر واستقر بعد طول
هجرة .. بعد افتراقهما تلك الليلة .. لم ينم
بعدها ، جافاه النوم واستكن التفكير على رموش
عينيه .. فكلما غفت عيناه .. هب
النسيم بصورتها أمامه .. ليستيقظ كالمجنون
يبحث عنها .. ليتذكر أن ما مر به كان طيفها
الحبيب .. مرت الأيام والتقى بها أكثر من مرة ..
وفي يوم من الأيام دعاها إلى مكان جميل يطل
على البحر.. وأمامهما يفترش الشاطئ الفسيح
لتنام عليه السفن الكبيرة .. وحولهما يطير
النورس بكل حرية .. قال لها : أتذكرين هذا
المكان .. إنه المكان المفضل لاجتماعنا .. هنا
كان يبحث كل منّا عن الآخر .. ليجول في أعماقه ..
في نفسه يبحث عن حب .. يبحث عن حنان يفتقده ..
يبحث عن الظل الآخر والشخص المكمل له .. لنبحر
في النهاية معا .. لتختلط مشاعرنا معا .. ونغوص
في داخلنا .. ونصبح كالتوأم بروح واحدة .. تطلعت
إليه بنظرة شفقة غريبة .. أول مرة يرى فيها تلك
النظرة .. ذكرته بنظرتها في ذلك اليوم .. عندما
تركته ورحلت بعد التخرج .. لكن لا .. الآن الوضع
اختلف .. فهما أكثر نضجا .. قالت له : لا أنكر إن
مشاعرنا كانت واحدة وصادقة لكنها تظل ذكريات
..ذكريات جميلة وثمينة لن أفرط بها أبدا ..
سأبقى عليها ما حييت ..لكن الآن دعني أنصرف ..
سأسافر لأطفالي .. وشكرا لكل الأيام الجميلة
التي قضيناها معا .. حاول فهمها .. لكن لم تعطيه
الفرصة لذلك قامت ورحلت وتركته مندهشا مما
حصل ..لماذا يحصل ذلك ؟ لماذا تختفي لأنساها ..
وتظهر الآن بعد كل تلك السنين لتفجر حزنا وحبا
دفنته بيدي .. لماذا تسحرني وتطلق لمشاعري
العنان والحرية بعدما سجنتها في أسوار قلبي ؟
لماذا تهزأ بي وبمشاعري وحبي .. لماذا تتلاعب
بها ؟؟ أكانت تعاني من أزمة عاطفية ولم تجد
سواي يبادلها حب فقدته لفترة من الزمن .. معقول
إنها من اللواتي يتلاعبن بمشاعر الآخرين ..
ولا يعترفن بفداحة هذا التلاعب وببشاعة هذه
الجريمة .. نظرت حولي لأتأكد إنها رحلت .. فإذا
بعيناي تحملني لمقعدها الخالي .. وحبها الخالي
أيضا .. حملتني قدماي رغما عني .. إلى كل
الأماكن التي قضينا فيها أجمل لحظاتنا ..ورغما
عني أيضا أسمع كلامها هنا وهناك .. ضحكاتها ..
أرى في كل زاوية صورتها .. لحظات صمتها ..
دموعها .. قفزاتنا البريئة .. يدانا
المتشابكتان .. أيامنا الجميلة .. ولحظاتنا
الأجمل .. تلك اللحظات التي اغتالتها بسخريتها
من حبي وتلاعبها بمشاعري الصادقة .. التي لم
أمنحها لأي شخص آخر سواها .. لأنني لم أكن أعلم
إنها لا تستحقها وليست هي التي ستصونها
وتحافظ عليها لأنها ربما تعاني من فجوة
عاطفية أو أزمة نفسية .. مضيت في طريقي على غير
هدى .. لعلي أجد نفسي التائهة .. لعلي أجد
تفسيرا لكل تصرفاتها .. أو ربما لأختلق لها
عذرا آخر كما عذرتها أول مرة .. للأسف لم يبق من
الأعذار شئ سوى النسيان وطي صفحات ربما لم
تكتمل .. ولن تكتمل ….
| بقلم/ خديجه الحربي |
ارسل الصفحه لصديق